محمد الريشهري

430

موسوعة معارف الكتاب والسنة

وعَلَيهِ مِدرَعَةٌ مِن صوفٍ ، وحَمائِلُ سَيفِهِ ليفٌ ، وفي رِجلَيهِ نَعلانِ مِن ليفٍ ، وفي جَبينِهِ ثَفِنَةٌ « 1 » مِن أثَرِ السُّجودِ . . . قالَ عليه السلام : ألا إنَّهُ قَد أدبَرَ مِنَ الدُّنيا ماكانَ مُقبِلًا ، وأقبَلَ مِنها ماكانَ مُدبِراً ، وأزمَعَ « 2 » التَّرحالَ عِبادُ اللَّهِ الأَخيارُ ، وباعوا قَليلًا مِنَ الدُّنيا لا يَبقى بِكَثيرٍ مِنَ الآخِرَةِ لا يَفنى . ما ضَرَّ إخوانَنَا الَّذينَ سُفِكت دِماؤُهُم - وهُم بِصِفِّينَ - ألّا يَكونوا اليَومَ أحياءً يُسيغُون الغُصَصَ ويَشرَبونَ الرَّنقَ « 3 » ؟ قَد - وَاللَّهِ - لَقُوا اللَّهَ فَوَفّاهُم اجورَهُم وأحَلَّهُم دارَ الأَمنِ بَعدَ خَوفِهِم . أينَ إخوانِيَ الَّذينَ رَكِبُوا الطَّريقَ ومَضَوا عَلَى الحَقِّ ؟ أينَ عَمّارٌ ؟ وأينَ ابنُ التَّيِّهانِ « 4 » ؟ وأينَ ذُوالشَّهادَتَينِ « 5 » ؟ وأينَ نُظَراؤُهُم مِن إخوانِهِم ؛ الَّذينَ تَعاقَدوا عَلَى المَنِيَّةِ وابرِدَ بِرُؤوسِهِم « 6 » إلَى الفَجَرَةِ ؟ قالَ : ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى لِحيَتِهِ الشَّريفَةِ الكَريمَةِ فَأَطالَ البُكاءَ ، ثُمَّ قالَ عليه السلام : أوِّه عَلى إخوانِيَ الَّذينَ تَلَوُا القُرآنَ فَأَحكَموهُ ، وتَدَبَّرُوا الفَرضَ فَأَقاموهُ ، أحيَوُا السُّنَّةَ وأماتُوا البِدعَةَ ، دُعوا لِلجِهادِ فَأَجابوا ، ووَثِقوا بِالقائِدِ فَاتَّبَعوهُ . ثُمَّ نادى بِأَعلى صَوتِهِ : الجِهادَ الجِهادَ عِبادَ اللَّهِ ! ألا وإنّي مُعَسكِرٌ في يَومي هذا ، فَمَن أرادَ الرَّواحَ إلَى اللَّهِ فَليَخرُج ! « 7 »

--> ( 1 ) . الثَّفِنة - بكسر الفاء - : ما وليَ الأرض من كلّ ذات أربع إذا بركت ، كالركبتين وغيرهما ، ويحصل فيه غلظ من أثر البروك ( النهاية : ج 1 ص 215 « ثفن » ) . ( 2 ) . أزمَعَ الأمرَ : مضى فيه ، وثبَّت عليه عَزمَه ( لسان العرب : ج 8 ص 144 « زمع » ) . ( 3 ) . ماءٌ رَنْق : أي كَدِر ( الصحاح : ج 4 ص 1485 « رنق » ) . ( 4 ) . هو أبو الهيثم مالك بن التيِّهان ، من أكابر الصحابة . ( 5 ) . هو خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي عدلَ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله شهادته بشهادة رجلين في قصّة مشهورة . ( 6 ) . أي أرسلت مع البريد بعدما قتلهم الفجرة البُغاة . ( 7 ) . نهج البلاغة : الخطبة 182 ، بحار الأنوار : ج 4 ص 313 ح 40 .